جاري التحميل
Hero Background

كيمياء الانجذاب العاطفي .. لماذا نكرر أحيانًا نفس نمط العلاقات المؤذية؟

كيمياء الانجذاب العاطفي .. لماذا نكرر أحيانًا نفس نمط العلاقات المؤذية؟
أميرة محمد الشريف
أميرة محمد الشريف الصحة النفسية و الإرشاد الأسري و الاضطرابات النفسية الشائعة

لماذا نكرر أحيانًا نفس نمط العلاقات المؤذية؟

بعد نهاية علاقة مؤلمة، يتكرر نفس السؤال لدى كثير من الناس:

هل المشكلة في العالم فعلًا؟ هل أصبحت العلاقات اليوم أكثر هشاشة؟ أم أن هناك شيئًا ما داخلنا يجعلنا ننجذب دائمًا لنفس النوع من الأشخاص؟

هل نكرر هذا النمط لأننا لم نحالفنا الحظ في اختياراتنا؟ أم لأن هناك جزءًا غير واعٍ داخلنا يشعر بالألفة مع هذا النوع من العلاقات؟

وأحيانًا يظهر سؤال أكثر إرباكًا:

لماذا نرى العلامات الحمراء بوضوح… ومع ذلك نشعر بانجذاب قوي؟

هل يمكن أن يكون هناك شيء فينا يجذب هذا النمط من الأشخاص؟ أم أننا في الحقيقة ننجذب إلى شيء مألوف فيهم دون أن ندرك السبب؟

هذه الأسئلة لا تعكس ضعفًا في الشخصية، بل تعكس محاولة لفهم ظاهرة نفسية معقدة: لماذا يكرر بعض الناس نفس نمط العلاقات المؤذية رغم إدراكهم لها؟

لفهم ذلك، نحتاج أن ننظر إلى كيفية تشكل أنماط الانجذاب العاطفي داخل الدماغ.

الدماغ لا يبحث دائمًا عن الأفضل… بل عن المألوف

يميل الكثيرون للاعتقاد أن الإنسان يختار شريك حياته بناءً على العقل أو المنطق، لكن الأبحاث النفسية تشير إلى أن الانجذاب العاطفي غالبًا ما يتشكل على مستوى أعمق وأكثر لاوعيًا.

في العلاج النفسي، يستخدم أحيانًا مصطلح Schema Chemistry لوصف الانجذاب القوي الذي يحدث عندما يتطابق شخص ما مع أنماط نفسية تشكلت في تجاربنا المبكرة.

هذه المخططات النفسية هي توقعات عميقة تشكلت عبر الطفولة حول:

  • الحب
  • الأمان
  • القرب العاطفي
  • وكيف تبدو العلاقة “الطبيعية”

عندما نقابل شخصًا يثير هذه الأنماط، قد نشعر بانجذاب قوي جدًا، ليس بالضرورة لأنه الأنسب لنا… بل لأنه يشبه شيئًا مألوفًا في تاريخنا العاطفي.

لماذا تجعل العلاقات غير المستقرة التعلق أقوى؟

في بعض العلاقات التي تتسم بعدم الاستقرار العاطفي، قد يلاحظ الطرف الآخر شيئًا محيرًا: رغم التعب والصراعات المتكررة، يصبح الانفصال أكثر صعوبة.

جزء من هذا التفسير يرتبط بما يسمى في علم النفس السلوكي التعزيز المتقطع (Intermittent Reinforcement)، حيث يتناوب الشريك بين القرب العاطفي والابتعاد أو التجاهل.

هذا التذبذب قد يجعل لحظات القرب أكثر تأثيرًا، لأن الدماغ يبدأ في البحث عنها ومحاولة استعادتها.

وفي بعض الحالات قد يظهر هذا النمط بوضوح في العلاقات التي يكون فيها أحد الشريكين يعاني من صعوبة في تنظيم الانفعالات، كما قد يحدث في بعض حالات اضطراب الشخصية الحدية.

كثير من شركاء الحياة في هذه العلاقات يصفون تجربة معقدة: لحظات من القرب العاطفي الشديد والشعور بأنهم مفهومون بعمق، تتبعها فترات من التوتر أو الصراع.

هذا التناقض قد يجعل العلاقة شديدة التأثير عاطفيًا، ويصعب أحيانًا على الطرف الآخر الانفصال عنها رغم المعاناة.

ماذا يحدث في الجهاز العصبي في هذه العلاقات؟

تشير بعض الأبحاث الحديثة في علم نفس الصدمات إلى أن الانجذاب العاطفي لا يتشكل فقط على مستوى الأفكار أو المعتقدات، بل يرتبط أيضًا بطريقة تنظيم الجهاز العصبي.

فعندما ينشأ الإنسان في بيئة عاطفية غير مستقرة نسبيًا — حيث يتناوب القرب مع التوتر أو الغموض — قد يتعود الجهاز العصبي على هذا النوع من الإيقاع العاطفي.

ومع مرور الوقت قد يفسر الدماغ هذا الإيقاع غير المستقر على أنه نمط مألوف من القرب العاطفي.

ولهذا قد يحدث أحيانًا أن يشعر الشخص بانجذاب قوي نحو علاقات شديدة الإثارة أو التقلب، بينما تبدو العلاقات الأكثر هدوءًا واستقرارًا أقل إثارة في البداية.

لا يعني ذلك أن الإنسان يسعى للألم، بل أن الجهاز العصبي أحيانًا يفسر المألوف على أنه آمن حتى لو لم يكن مريحًا دائمًا.

ولهذا فإن تغيير أنماط العلاقات لا يحدث فقط عبر الفهم العقلي، بل غالبًا ما يحتاج إلى تجارب عاطفية جديدة أكثر استقرارًا تساعد الجهاز العصبي على التعرف تدريجيًا على شكل آخر من الأمان.

العلاقات ليست محكمة لإصدار الأحكام

عند الحديث عن العلاقات المؤذية، قد يميل البعض إلى البحث عن “المذنب” في العلاقة.

لكن الواقع النفسي غالبًا أكثر تعقيدًا.

في كثير من الحالات لا يكون أحد الطرفين سيئًا بطبيعته، بل قد يكون شخصين جيدين لكن غير متوافقين نفسيًا أو عاطفيًا.

وأحيانًا يحمل كلا الطرفين جروحًا عاطفية أو أنماطًا نفسية غير مكتملة، لكنها تتقاطع بطريقة تجعل العلاقة تبدو وكأنها تسد نقصًا لدى كل منهما.

ولهذا يقال أحيانًا في علم النفس العلاقي إن بعض العلاقات تقوم على تكامل الجروح النفسية وليس بالضرورة على التوافق الصحي.

كيف يمكن حماية النفس والحدود في العلاقات؟

  • ملاحظة الإشارات المبكرة مثل التقلب الشديد في المشاعر أو التقليل من القيمة.
  • وضوح الحدود الشخصية، فالعلاقة الصحية تسمح بوجود مساحة واحترام للاحتياجات المختلفة.
  • عدم تفسير الشدة العاطفية دائمًا على أنها حب عميق.
  • الانتباه لتكرار نفس النمط عبر أكثر من علاقة.

الخاتمة

الوقوع في علاقات مؤذية لا يعني أن الإنسان ضعيف أو غير واعٍ.

في كثير من الأحيان تكون هذه الأنماط نتيجة تاريخ طويل من التجارب العاطفية التي شكلت طريقة فهمنا للحب والقرب.

لكن بمجرد أن يبدأ الإنسان في فهم هذه الأنماط بوعي، يصبح من الممكن تدريجيًا كسرها وبناء علاقات أكثر توازنًا وأمانًا.

وربما يكون السؤال الأهم في النهاية ليس فقط: لماذا ننجذب إلى هذا النوع من الأشخاص؟

بل سؤال آخر أعمق قليلًا:

هل يمكن أن يكون ما نبحث عنه في العلاقات ليس الشخص نفسه… بل الإحساس الذي تعودنا عليه منذ البداية؟

تواصل

نتطلع لسماعك

هل لديك استفسار، فكرة، أو رسالة؟ يسعدنا سماعك. تواصلك يهمنا ويساعدنا في بناء منصة أقرب إليك وأكثر وعياً باهتماماتك.