ما أعظم أن تكون غائبًا حاضرًا.. على أن تكون حاضرًا غائبًا
ماذا يعلمنا فيلم «ألف مبروك» عن التراحم والاحتياجات الإنسانية؟
بقلم: د. أميرة الشريف
دكتوراة الفلسفة في الآداب – جامعة الإسكندرية
عضوة التحالف العربي لخبراء العلاج النفسي
هناك بعض الأفلام في كل مرة نشاهدها من جديد تغيرنا نحن. فيلم «ألف مبروك» للفنان أحمد حلمي كان بالنسبة لي واحدًا من هذه الأعمال.
أتذكر أنني شاهدته للمرة الأولى وأنا أستعد للزواج والسفر خارج البلاد. كنت أحمل مسؤولية أخواتي البنات في قلبي، وكنت أخشى الفراق القادم. وربما من شدة خوفي من ألم الغياب، بدأت أتخذ قرارًا صامتًا بالتخفف من التعلق والاقتراب، وكأنني أحاول أن أسبق الوجع قبل أن يسبقني.
ثم شاهدت الفيلم.
وقتها لفتتني جملة بسيطة وعميقة:
«ما أعظم أن تكون غائبًا حاضرًا… على أن تكون حاضرًا غائبًا.»
وأدركت شيئًا مهمًا: أن السفر سيحدث في كل الأحوال، وأن الغياب الجسدي قد يكون محتومًا، لكن ذلك لا يعني أن أختار الغياب من الآن، ولا أن أحرم نفسي ومن أحب من لحظات دافئة لأنني أخشى انتهاءها.
قررت يومها أن أكون حاضرة… أن أترك أثرًا جميلًا، وذكريات مليئة بالحب والدفء، وأن أعيش اللحظة الحالية كما هي، دون أن أفسدها بخوف المستقبل.
وبعد ذلك بحوالي أربعة عشر عامًا، شاهدت الفيلم مرة أخرى، لكن بعين مختلفة؛ بعين درست التراحم وفهمت معنى الاحتياجات الإنسانية والألم والاتصال.
حين يحتاج الإنسان إلى أن يُرى قبل أن يُنقذ
ولعل أكثر ما لمسته هذه المرة أن احتياجاتنا الإنسانية لا تحتاج دائمًا إلى حلول بقدر ما تحتاج إلى أن تُرى.
ففي الفيلم لم يستطع البطل أن يشفي والدته من السرطان، ولا أن يزيل مرض والده، ولا أن يغير طباع أخته أو أخطاءها. لكنه فعل شيئًا بدا بسيطًا، بينما هو في الحقيقة عميق جدًا: رأى احتياج كل واحد منهم واعترف به.
رأى خوف أمه، وتعب أبيه، ورغبة أخته في أن تُقبل كما هي. وبمجرد أن شعر كل منهم بأنه مرئي ومفهوم، تغيرت طبيعة العلاقة.
في العلاج النفسي يُعرف هذا باسم الاعتراف بالخبرة الداخلية (Validation)، وهو أحد المكونات الأساسية للعلاقات الآمنة. فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يزيل ألمه، بقدر حاجته إلى من يساعده على الشعور بأن ألمه مفهوم ومُعترف به.
وهذه واحدة من أهم بذور التراحم في حياتنا: أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يُصلح ألمه، بل يحتاج أولًا إلى من يراه فيه.
وكما هو معروف، فإن التعويض لا يسد احتياجًا مرَّ وقته، ولكن ما تعلمته في التراحم حقًا هو أن رؤية احتياجات الآخرين لا تعني بالضرورة الاتفاق معهم، لكنها تساعدنا على تقبل اختلافنا عنهم والتعامل برحمة أوسع.
عندما تكون كلمة "لا" تعبيرًا عن احتياج
وهناك رسالة أخرى شديدة العمق يهمس بها الفيلم لنا دون أن يصرح بها:
ليست كل "لا" قيلت لنا إهانة أو رفضًا لشخصنا.
من منظور التواصل اللاعنفي (Nonviolent Communication) الذي قدمه مارشال روزنبرغ، فإن كثيرًا من الرفض الذي نتلقاه لا يكون رفضًا لنا، بل تعبيرًا عن احتياجات أو حدود أو قيم أخرى يحاول الطرف الآخر حمايتها.
أي أن كثيرًا من "اللاءات" التي آلمتنا كانت في الحقيقة "نعم" لاحتياجات أخرى لا نراها.
فالتراحم يدعونا إلى أن نتوقف قليلًا قبل أن نفسر كل رفض على أنه تقليل من قيمتنا، وأن نسأل:
ما الاحتياج الذي يحاول الآخر حمايته الآن؟
أن نعيش اللقاء قبل أن نخاف الفراق
وأتذكر هنا صديقة جمعتنا الغربة وأيام جميلة. كنا قريبتين، حتى فاجأتني يومًا بقولها إنها لا تحب أن تربط حياتها بشخص سوف يؤلمها غيابه عندما يفترق كل منا في طريق.
ابتسمت يومها، لأنني تذكرت نفسي منذ سنوات طويلة. تذكرت كيف كنت أحاول أن أسبق الفقد بالتخلي، وأن أحمي نفسي من وجع الغد بتقليل حضوري اليوم.
وهنا كنت أحاول أن أقرأ الموقف لا لرفضها لشخصي، ولكنه نعم لاحتياج لديها.
فحكيت لها قصتي. لم أكن أحاول تغييرها أو إقناعها بشيء، كنت فقط أتمنى أن تعيش أيامها الجميلة دون أن يسرقها منها خوف لم يأتِ بعد.
ثم افترقت بنا أرض الله.
لكن الحقيقة أنني ما زلت أتذكر وجودها الطيب في حياتي وقتما كنت أحتاج إليه. وما زلت أذكر ضحكاتنا وأحاديثنا وتفاصيل صغيرة لا تبدو مهمة لأحد، لكنها تركت أثرًا كبيرًا في قلبي.
والأجمل أنه بعد أكثر من سبع سنوات، التقينا صدفة. جلسنا معًا وطلبنا عصير البرتقال نفسه، وكأن الزمن مر من حولنا فقط، لا بيننا.
التراحم... أن نختار الحضور
وربما هنا فهمت شيئًا آخر:
ليس المطلوب أن نحمي أنفسنا من كل فراق، بل أن نسمح لأنفسنا بأن تعيش كل لقاء بصدق؛ لأن بعض الأشخاص لا يطيلون البقاء في حياتنا، لكنهم يتركون فيها دفئًا يكفي لسنوات.
إنه التقبل غير المشروط.
إنه التواجد في اللحظة، رغم معرفتنا بأن كل شيء عابر.
هذه حقيقة.
لكن تواجدنا هنا… الآن… معًا، هو ما يصنع الفرق.
ففي النهاية، ربما لا يتذكر الناس عدد الأيام التي قضيناها معهم، لكنهم يتذكرون كيف جعلناهم يشعرون.
لعل التراحم في جوهره ليس إنقاذًا للآخرين ولا إزالةً لكل ألم في حياتهم، بل هو القدرة على أن نراهم ونرى أنفسنا بإنسانية أكبر. أن نعترف بالاحتياجات، وأن نتقبل اختلاف الطرق التي يحاول بها الناس حمايتها، وأن نختار الحضور في اللحظة بدلًا من الانسحاب خوفًا من الفقد. فبعض اللحظات لا تطول، لكنها تترك في جهازنا العصبي وذاكرتنا العاطفية دفئًا يكفي لسنوات.
وما أعظم حقًا أن تكون غائبًا حاضرًا في القلوب… على أن تكون حاضرًا غائبًا عنها.
دمتم في سلام
د. أميرة الشريف
المراجع
- Gilbert, P. (2009). The Compassionate Mind.
- Neff, K. (2011). Self-Compassion.
- Rosenberg, M. (2015). Nonviolent Communication: A Language of Life.
- Siegel, D. (2012). The Developing Mind.
- Porges, S. (2011). The Polyvagal Theory.