بقلم د. أميرة الشريف
أحيانًا لا تختفي الصدمات تمامًا بل تبقى كصوت خافت في الداخل، يذكرنا بجروح لم تجد بعد طريقها للشفاء.
في الطائرات يوجد جهاز صغير يسمى الصندوق الأسود. قد تتحطم الطائرة بالكامل، لكن هذا الصندوق يبقى محتفظًا بكل ما حدث: الأصوات… الإشارات… واللحظات الأخيرة قبل الحادث. حتى لو انتهى كل شيء في الخارج، يبقى التسجيل محفوظًا هناك.
أحيانًا يبدو الجسد وكأنه يملك صندوقه الأسود الخاص.
فماذا يخبرك صندوقك الأسود عن صدماتك القديمة؟
حين لا ينتهي الحدث داخل الجسد، أحيانًا يحدث شيء غريب. تمر سنوات على موقف صعب… حادث، فقد، أو تجربة مؤلمة. وتبدو الحياة وكأنها استمرت بعدها بشكل طبيعي. نذهب إلى العمل، نعتني بالمسؤوليات، نضحك أحيانًا… ونقول لأنفسنا: لقد تجاوزت الأمر.
لكن في لحظة عادية تمامًا… صوت مفاجئ، رائحة مألوفة، موقف صغير يشبه ما حدث يومًا… وفجأة يحدث شيء داخل الجسد. القلب يتسارع، العضلات تتوتر، والصدر يضيق كأن الهواء أصبح أقل. ليس لأن الخطر موجود الآن… بل لأن شيئًا في الداخل تذكر.
أحيانًا لا يكون أصعب ما في الصدمة هو ما حدث… بل أن الجسد قد يستمر في تذكره بعد أن يحاول العقل المضي قدمًا.
يشبه الأمر أحيانًا من تعرض لكسر مؤلم ولم يتلقَّ الجبر الصحيح. قد يلتئم العظم، ويغلق الجرح… لكن على وضعٍ ليس هو الوضع الطبيعي. فيستطيع الإنسان أن يعيش بعدها، ويكمل حياته… لكن مع اعوجاج خفيف وألم يظهر بين حين وآخر. ليس لأن الكسر ما زال يحدث… بل لأن طريقة الالتئام لم تكن كما ينبغي.
وهكذا قد يحدث مع بعض الصدمات. فالحدث ينتهي، لكن أثره قد يبقى إن لم يجد الجسد فرصة حقيقية للالتئام.
الصدمات لا تأتي بشكل واحد. أحيانًا تكون حادثًا مفاجئًا يقلب لحظة عادية إلى لحظة لا تُنسى. حادث سيارة، صوت انفجار قريب، أو لحظة شعر فيها الإنسان أن حياته مهددة وأنه لوحده في ذلك دون معنى كافٍ يفسره. وأحيانًا تكون تجربة أكبر بكثير: حروب، نزوح، أيام طويلة من الخوف وعدم اليقين.
لكن ليس كل ما يترك أثرًا في الجسد يكون حدثًا عنيفًا بهذا الشكل. فالقاعدة تقول: ليس المهم ما حدث، لكن المهم كيف نفسر ما حدث.
أحيانًا تكون الصدمة أكثر هدوءًا من الخارج، لكنها لا تقل عمقًا في الداخل الذي لم يستطع تفسيرها أو هضمها. علاقة قاسية استمرت طويلًا… كلمات جارحة تكررت حتى أصبحت جزءًا من الصوت الداخلي… تجربة تحرش أو انتهاك للحدود تركت شعورًا دائمًا بعدم الأمان.
في كل هذه الحالات… قد يفهم العقل مع الوقت أن ما حدث قد انتهى، لكن الجسد لا يتعامل مع الزمن بالطريقة نفسها، وكأن زرًا ما قد علق عند ذلك المشهد، ولا يأبى سوى إعادته عليك مرارًا وتكرارًا، ويستمر في إرسال إشارات إنذار سواء في نومك أو في أيامك.
يصف كثير من الأشخاص الذين مروا بصدمات هذا الشعور بطريقة متشابهة… “أعرف أن الحادث انتهى منذ سنوات… لكن أحيانًا عندما أسمع صوت فرامل سيارة أشعر أن جسمي يعود إلى تلك اللحظة.”
الصندوق الأسود للذاكرة… عندما يمر الإنسان بتجربة شديدة الخوف أو الألم، لا يعمل الدماغ دائمًا بالطريقة المعتادة في حفظ الذكريات. الذكريات العادية تُخزن غالبًا كقصة يمكننا استرجاعها، لكن في لحظات الصدمة قد تُسجل التجربة بطريقة مختلفة: إحساس في الجسد، صورة سريعة، صوت، أو شعور بالخطر.
ولهذا قد يجد الإنسان نفسه بعد سنوات لا يتذكر التفاصيل كلها… لكن جسده يتفاعل فورًا مع شيء يشبه تلك اللحظة. كأن الملف لم يُحفظ في المكان الصحيح من الذاكرة، فبقي جزء منه يعمل في الخلفية.
وأحيانًا لا يعبّر الجسد عن تلك الذكريات في صورة قلق أو خوف فقط، بل تظهر الإشارات بطريقة أكثر هدوءًا… وأكثر غموضًا أيضًا. توتر دائم في العضلات، آلام متكررة، أو استجابات حساسة لمواقف معينة.
كل جسد يحاول حماية نفسه بطريقته… فاستجابات الصدمة لا تظهر دائمًا في صورة خوف واضح. أحيانًا يتجمد الإنسان (Freeze)، وأحيانًا يحاول إرضاء الآخرين (Fawn) لتجنب الخطر.
وربما لا تكون المشكلة أن الجسد يتذكر… بل أننا لم نتعلم بعد كيف نستمع لما يتذكره.
في العلاج النفسي، نستخدم أحيانًا مفهوم “مساحة الأمان”… مكان يستطيع فيه الإنسان أن يقترب من تلك اللحظة القديمة ببطء، دون أن يغرق فيها من جديد.
ومع الوقت… قد تتحول الذكرى من إحساس يقتحم الحاضر إلى قصة حدثت يومًا لكنها لم تعد تتحكم في كل ما يأتي بعدها.
ومن الطرق العلاجية الحديثة: العلاج بحركات العين وإعادة المعالجة (EMDR)، حيث يتم مساعدة الدماغ على إعادة ترتيب الذكريات العالقة.
وأحيانًا لا ينتهي الأمر عند التعافي فقط… بل يصل الإنسان إلى ما يسمى “النمو ما بعد الصدمة”، حيث يصبح أكثر وعيًا بنفسه وأكثر قدرة على فهم الحياة.
لأن الجسد، في النهاية، لا يحتفظ بالذكريات ليعذبنا… بل لأنه لم يجد بعد الفرصة الكافية ليحكي قصته حتى النهاية.
وربما كل ما يحتاجه صندوقنا الأسود… هو أن يجد أخيرًا من يصغي إليه.