جاري التحميل
Hero Background

عندما تعجز النفس عن التعبير فيتحدث الجسد: فهم الألكسيثيميا وعلاقتها بالأعراض النفس جسدية

عندما تعجز النفس عن التعبير فيتحدث الجسد: فهم الألكسيثيميا وعلاقتها بالأعراض النفس جسدية
أميرة محمد الشريف
أميرة محمد الشريف الصحة النفسية و الإرشاد الأسري و الاضطرابات النفسية الشائعة

مالك زي قدرة الفول المكتومة؟

كان أجدادنا يقولون للشخص الذي يبدو هادئًا بينما الغضب أو الحزن أو الضيق يشتعل داخله: “مالك زي قدرة الفول المكتومة؟” وهو وصف شعبي شديد الذكاء. فقدرة الفول على النار تبدو من الخارج ساكنة لا يحدث فيها شيء يُذكر.

لكن داخلها عالم كامل من التفاعلات.

نار مشتعلة.

وماء يغلي.

وضغط يتراكم.

وربما يشبه هذا بعض البشر….

أشخاص لا يشتكون كثيرًا.لا يتحدثون عن مشاعرهم. وعندما يُسألون:“ما بك؟” يجيبون: “لا شيء.” بينما أجسادهم تروي قصة مختلفة تمامًا…صداع متكرر.شد عضلي.إرهاق مستمر.اضطرابات هضمية.أرق.أو أعراض جسدية تبدو أحيانًا بلا تفسير واضح.

وهنا يبرز سؤال مهم:

هل هناك علاقة بين صعوبة فهم المشاعر والتعبير عنها، وبين بعض الاضطرابات النفس جسدية؟و هل المشاعر مهمة أصلًا؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، ربما نحتاج إلى تصحيح فكرة شائعة.

فكثير من الناس ينظرون إلى المشاعر باعتبارها شيئًا ثانويًا، أو رفاهية نفسية يمكن الاستغناء عنها.

وكأن الإنسان المثالي هو ذلك الشخص الذي لا يشعر كثيرًا، أو الذي يتعامل مع الحياة بالعقل وحده.

لكن علم الأعصاب الحديث يخبرنا بشيء مختلف تمامًا.فالمشاعر ليست ترفًا نفسيًا.وليست عطلًا في نظام التفكير.بل هي جزء أساسي من طريقة عمل الدماغ نفسه.

وقد أظهرت أبحاث عالم الأعصاب الشهير أنطونيو داماسيو أن الأشخاص الذين فقدوا القدرة الطبيعية على الاستفادة من مشاعرهم بسبب إصابات في مناطق معينة من الدماغ لم يصبحوا أكثر عقلانية كما قد نتوقع.

بل أصبحوا أكثر حيرة في اتخاذ القرارات، وأكثر صعوبة في إدارة تفاصيل حياتهم اليومية، رغم احتفاظهم بذكائهم وقدراتهم العقلية.

وكأن المشاعر ..ليست نقيض التفكير…بل إحدى أدواته.

فالمشاعر في جوهرها رسائل بيولوجية مهمة.

الخوف ينبهنا إلى الخطر.

والحزن يخبرنا بوجود فقد أو احتياج.

والغضب يشير إلى تجاوز حدودنا أو انتهاك حقوقنا.

تمامًا كما يخبرنا الألم بوجود إصابة في الجسد.

ولهذا فإن تجاهل المشاعر أو فقدان القدرة على فهمها لا يجعلها تختفي.

بل يجعل رسائلها أكثر غموضًا.

و بالتالي سوف تؤدي وظيفه ما (فهى لن تختفي من تلقاء تفسها ) حتى لو كانت وظيفه غير تكفيه او مرضيه . 

عندما تفقد المشاعر كلماتها

في سبعينيات القرن الماضي صاغ الطبيب النفسي بيتر سيفنيوس (Peter Sifneos) مصطلحًا أصبح من المفاهيم المهمة في علم النفس والطب النفس جسدي.

وهو مصطلح:

الألكسيثيميا Alexithymia و التى في ترجمتها الحرفيه تعنى  “لا كلمات للمشاعر”.

و هناك ترجمات اخرى للاصطلاح مثل  "عسر المشاعر  "او "عمى المشاعر "اما الترجمه الاقرب الى هى  “عَمَه المشاعر”،فـ “عمى المشاعر” قد يُفهم وكأنه فقدان كامل للمشاعر أو انعدامها(وهذا اقرب للذهان و اضطرابات اخرى احيانا )، بينما الألكسيثيميا في حقيقتها ليست غيابًا للمشاعر، بل صعوبة في التعرف عليها وفهمها وتسميتها.

أما “العَمَه” في العربية فمعناه أعمق وألطف في الوقت نفسه. ففي المعاجم يشير إلى الحيرة، والتخبط، وفقدان البصيرة أو القدرة على الاهتداء، وليس مجرد فقدان البصر الحسي

ولا تعني الألكسيثيميا فقط صعوبة التعبير عن المشاعر.بل تشمل أيضًا صعوبة التعرف عليها من الأساس.فقد يجد الشخص نفسه قادرًا على وصف ما يحدث في جسده بدقة:

“قلبي يدق بسرعة.”

“هناك انقباض في صدري.”

“معدتي متوترة.”

لكنه يجد صعوبة في الإجابة عن سؤال أبسط:

“وماذا تشعر؟”

هل هو خوف؟

أم حزن؟

أم غضب؟

أم خيبة أمل؟

أم قلق؟

أم شعور بالوحدة؟

قد لا يعرف.

أو قد يشعر أن كل هذه الكلمات بعيدة عما يحدث داخله.عندما تعجز النفس عن التعبير باللسان ….

في الظروف الطبيعية يمر الانفعال بمسار يشبه الترجمة.

يحدث موقف ما.  ◀️فنشعر بشيء ◀️ ثم نتعرف على هذا الشعور. ◀️ونسميه.◀️ونعبر عنه.

ثم يبدأ الجهاز النفسي والعصبي في التعامل معه وتنظيمه.(ادى وضيفته فيرحل )

لكن عندما تتعطل هذه العملية، أو تصبح المشاعر غير مفهومة ⁉️وغير مسماة‼️، فإن الخبرة الانفعالية لا تختفي بالضرورة.🛑🔁

بل قد تبقى حاضرة في صورة أخرى.صورة أكثر جسدية.

ولهذا ظهرت الألكسيثيميا تاريخيًا داخل مجال دراسة الاضطرابات النفس جسدية، حيث لاحظ الباحثون أن نسبة معتبرة من الأشخاص الذين يعانون من هذه الاضطرابات يواجهون أيضًا صعوبات في فهم مشاعرهم والتعبير عنها.

ليس لأن الأعراض “متخيلة”.

وليس لأن المرض “في الرأس”.

بل لأن النفس والجسد ليسا عالمين منفصلين كما كنا نتصور قديمًا.

فما نعيشه نفسيًا ينعكس عبر منظومات عصبية وهرمونية ومناعية حقيقية داخل الجسم.عندما يصبح الجسد مسرحًا للتعبير

و من المهم هنا أن نتذكر:

ليس كل عرض جسدي سببه النفسي.وليس كل مرض رسالة رمزية من العقل.

لكن من الصحيح أيضًا أن الخبرات النفسية غير المفهومة أو غير المعالجة قد تجد طريقها أحيانًا إلى الجسد.

ولهذا يقال في بعض الأدبيات النفسية:

“الجسد اذا لم  يجد كلمات… قد يجد أعراضًا.”(كمحامى يتحدث نيابه عنه في محكمه حياه لم تسمع لروحه )

لانه حين يعجز الإنسان عن فهم ما يشعر به، أو لا يمتلك اللغة التي تساعده على التعبير عنه، قد يصبح تركيزه منصبًا على ما يشعر به في جسده فقط.

الألم يصبح أوضح من الحزن.

والشد العضلي يصبح أوضح من الغضب.

والإرهاق يصبح أوضح من الاستنزاف النفسي.

وكأن الجسد يحمل جزءًا من القصة التي لم تُروَ بعد.

الخبر الجيد💡

رغم كل ذلك، فإن الألكسيثيميا ليست دائمًا سمة ثابتة لا تتغير.

فبعض الدراسات تميز بين أشكال أكثر ثباتًا، وأخرى تظهر تحت تأثير الضغوط أو الصدمات أو الظروف الحياتية القاسية.

والأهم من ذلك أن الوعي بالمشاعر مهارة يمكن تنميتها.

نعم…

مثل أي مهارة أخرى.

فكثير من الناس لم يتعلموا منذ الصغر كيف يتعرفون على مشاعرهم أو يسمونها أو يتحدثون عنها.ولذلك فإن البداية لا تحتاج إلى تعقيد.قد تبدأ بسؤال بسيط:ماذا أشعر الآن؟

وليس: ماذا أفكر؟فهما ليسا الشيء نفسه.

كما يمكن الاستعانة بأدوات بسيطة مثل عجلة المشاعر التي تساعد على توسيع المفردات الانفعالية والتفريق بين المشاعر المتشابهة.

فبدلًا من كلمة واحدة مثل “متضايق”، قد يكتشف الإنسان أنه يشعر بخيبة أمل، أو إحباط، أو خوف، أو حزن، أو وحدة.( المشاعر مثل طبقات البصل احيانا طبقه قد تغطي اخرى )

وكلما أصبحت الرسالة أوضح…أصبح التعامل معها أسهل.وفي بعض الحالات قد يكون اللجوء إلى معالج نفسي خطوة مهمة لتعلم هذه اللغة التي لم تتح لنا فرصة تعلمها من قبل.

في النهاية…

ربما لم يكن أجدادنا يعرفون مصطلح الألكسيثيميا.

ولم يقرأوا أبحاث علم الأعصاب.

لكنهم التقطوا بحكمتهم الشعبية شيئًا مهمًا حين قالوا:“مالك زي قدرة الفول المكتومة؟”

فما يبدو ساكنًا من الخارج قد يكون ممتلئًا بالحركة من الداخل.

وما يبدو صمتًا قد يخفي قصة كاملة لم تجد كلماتها بعد.

ولعل المشكلة ليست في وجود المشاعر.

فالمشاعر جزء أصيل من إنسانيتنا، وواحدة من أهم أدوات بقائنا وفهمنا لأنفسنا والعالم.

إنما المشكلة تبدأ عندما نفقد القدرة على سماعها.

فـ عندما تعجز النفس عن التعبير، قد يصبح الجسد مسرحًا للتعبير.

وحين نتعلم أن نصغي إلى مشاعرنا قبل أن تضطر إلى الصراخ عبر الأعراض…

نمنح أنفسنا فرصة أكبر للفهم، والتنظيم، وربما التعافي أيضًا.

فليس كل ما يحتاجه الجسد دواءً… وأحيانًا يحتاج إلى كلمات.

تواصل

نتطلع لسماعك

هل لديك استفسار، فكرة، أو رسالة؟ يسعدنا سماعك. تواصلك يهمنا ويساعدنا في بناء منصة أقرب إليك وأكثر وعياً باهتماماتك.